في عالم التصميم الداخلي، لا يُقرأ معرض Salone del Mobile.Milano كمعرض أثاث فقط. هو أقرب إلى مرآة مبكرة لما سيصل لاحقًا إلى البيوت، المكاتب، الفنادق، المطاعم، والمساحات التجارية حول العالم. ما يظهر في ميلانو لا يبقى في ميلانو طويلًا؛ يتحول تدريجيًا إلى لغة جديدة في السوق.
نسخة 2026 كانت لافتة لأنها جاءت بعد سنوات طويلة من سيطرة الهدوء البصري. البيج، الرمادي، الأبيض الدافئ، الخطوط النظيفة، والفراغات قليلة التفاصيل كانت الخيار الآمن في كثير من المشاريع. هذا الأسلوب لم يختفِ، لكنه لم يعد وحده في الواجهة. في ميلانو هذا العام، كان واضحًا أن اللون عاد، وأن الفراغات بدأت تستعيد جرأتها.
أقيم المعرض من 21 إلى 26 أبريل 2026، وسجل حضورًا عالميًا كبيرًا بلغ 316,342 زائرًا من 167 دولة، مع مشاركة 1,900 علامة من 32 دولة. هذه الأرقام تشرح لماذا يُنظر إلى Salone del Mobile كواحد من أهم المراجع العالمية في صناعة الأثاث والتصميم الداخلي، وليس مجرد حدث موسمي للعرض والبيع.
أبرز ما يمكن ملاحظته في نسخة هذا العام أن اللون عاد كقرار تصميمي، لا كإضافة صغيرة في وسادة أو قطعة ديكور. ظهرت درجات أكثر حيوية: الأصفر الكناري، البرتقالي، التانجرين، الأخضر العميق، ألوان الحجر الطبيعي، ولمسات زجاجية أكثر جرأة.
اللافت أن هذه العودة لم تكن صاخبة بشكل فوضوي. اللون كان حاضرًا لكنه محسوب. قطعة واحدة بلون قوي قد تغيّر المشهد. جدار غني بالخامة قد يقود هوية الفراغ. طاولة نحتية قد تصبح مركز الصالة بالكامل.
رصد محررو Architectural Digest حضور الأصفر الكناري في عروض علامات مثل Fendi Casa وCassina وB&B Italia وNilufar. أما Surface فقد أشارت إلى أن البرتقالي كان من أبرز ألوان المعرض، خصوصًا بدرجات التانجرين الأكثر دفئًا، مع ظهوره عند Sancal وKnoll وKarl Andersson & Söner.
هذه الإشارات مهمة للسوق السعودي، خصوصًا في الرياض. العميل لم يعد يبحث دائمًا عن فراغ محايد بالكامل. هناك رغبة متزايدة في مساحات لها شخصية، خصوصًا في الفلل الحديثة، المكاتب الإدارية، المطاعم، الكافيهات، والصالونات. اللون هنا لا يستخدم لإثارة الانتباه فقط، بل لبناء هوية داخلية واضحة.
بعد سنوات من Minimalism، عاد Maximalism إلى المشهد، لكن بصيغة مختلفة عن الصورة القديمة المرتبطة بالازدحام والمبالغة. النسخة التي ظهرت في ميلانو أكثر ذكاءً: خامات غنية، ألوان أوضح، قطع أثاث ذات حضور، جدران معالجة، تفاصيل أكثر جرأة، مع محافظة على التوازن العام للفراغ.
ما يميز هذا الاتجاه أنه يعطي المصمم مساحة أوسع للتعبير. الجدار لم يعد مجرد خلفية. الطاولة لم تعد مجرد سطح استخدام. الكرسي لم يعد قطعة وظيفية فقط. كل عنصر قادر على حمل جزء من شخصية المكان.
Wallpaper رصدت في Salone del Mobile 2026 اتجاهات مرتبطة بهذا التحول، منها دخول اللكر اللامع في الأثاث المنجد، حضور الطاولات النحتية، تطور الكراسي ذات الهياكل الأنبوبية، وعودة الجدران الغنية بالخامات والتفاصيل. ووصفت هذه العودة بأنها قادرة على تحويل الفراغات بأناقة عندما تُدار بطريقة تصميمية واعية.
في مشاريع الفلل مثلًا، يمكن ترجمة هذا الاتجاه عبر مجلس أكثر دفئًا، جدار رخامي أو خشبي له حضور، ألوان أعمق في منطقة الضيافة، أو قطعة أثاث رئيسية تقود المشهد. وفي المكاتب، يمكن استخدامه في الاستقبال، غرف الاجتماعات، مناطق الانتظار، أو المساحات التي تمثل هوية الشركة أمام العملاء.
واحدة من أقوى قراءات المعرض هذا العام أن الخامة نفسها أصبحت بطلًا في التصميم. الرخام، الأونيكس، الخشب، الزجاج، اللكر، النسيج، والراتان لم تظهر كتشطيبات نهائية فقط، بل كعناصر تصنع التجربة.
في بعض العروض، الحجر لم يكن مجرد سطح طاولة أو جدار فاخر، بل لغة كاملة للفراغ. Architectural Digest أشار إلى حضور الحجر والرخام والأونيكس في عروض مثل B&B Italia وHermès وتعاون Hannes Peer x Margraf، حيث أصبح الحجر عنصرًا معماريًا يحدد الإحساس العام بالمكان. كما ظهر النسيج والحرفة اليدوية بقوة لدى Loro Piana وEdra، مع اهتمام واضح بفكرة “الصناعة” كجزء من قيمة التصميم، لا كعملية مخفية خلف المنتج النهائي.
هذا الاتجاه مناسب جدًا للسوق المحلي إذا تم التعامل معه بحذر. في الرياض، الخامة لا بد أن تكون جميلة وقابلة للتنفيذ والصيانة في نفس الوقت. لا يكفي أن تبدو الصورة فاخرة؛ المهم أن تعيش الخامة داخل المكان، وتتحمل الاستخدام، وتخدم طبيعة المشروع.
من بين العلامات التي برزت هذا العام، ظهرت أسماء كبيرة تؤكد أن التحول ليس مجرد تجربة مؤقتة.
Fendi Casa حضرت بقوة من خلال اللون والفخامة المرتبطة بعالم الأزياء.
Cassina واصلت تقديم قراءة معاصرة للقطع الكلاسيكية، مع حضور واضح للون والهياكل المعدنية.
B&B Italia قدمت اتجاهًا أكثر معمارية في الأثاث، خصوصًا في الطاولات والخامات.
Minotti حافظت على لغة الراحة الراقية، لكن مع قطع أكبر وأكثر حضورًا.
Tacchini وFrigerio وVisionnaire ظهرت في اتجاه اللكر داخل الأثاث المنجد.
Loro Piana وEdra وPrada Home وHermès أكدت أن الحرفة والملمس والمواد الطبيعية أصبحت جزءًا أساسيًا من الفخامة الحديثة.
هذه الأسماء لا تهمنا كقائمة علامات فقط. الأهم هو ما تكشفه: السوق العالمي يتحرك نحو تصميم أكثر شخصية، أكثر ملمسًا، وأكثر ارتباطًا بالحرفة والخامة واللون.
الرياض اليوم ليست سوقًا ينتظر الترند حتى يصل متأخرًا. المدينة تتحرك بسرعة، والمشاريع السكنية والتجارية فيها أصبحت أكثر وعيًا بالصورة، التجربة، والهوية. الفلل الجديدة، مقار الشركات، المطاعم، الكافيهات، الفنادق، والعيادات لم تعد تتعامل مع التصميم كتشطيب نهائي فقط، بل كقيمة مرتبطة بالمكان نفسه.
عودة Maximalism والألوان لا تعني أن كل مشروع يجب أن يكون جريئًا. بعض المشاريع تحتاج هدوءًا. بعضها يحتاج فخامة منخفضة الصوت. وبعضها يحتاج حضورًا بصريًا قويًا. القراءة الصحيحة تكمن في اختيار ما يناسب المشروع، لا في نسخ ما ظهر في المعرض كما هو.
في الفلل السكنية، يمكن أن يظهر هذا التحول في المجالس، المداخل، غرف الطعام، أو الصالات المفتوحة. في المكاتب، يظهر في الاستقبال وغرف الاجتماعات ومسارات الحركة. في المطاعم والكافيهات، يصبح اللون والخامة جزءًا من تجربة العميل ومن قوة العلامة التجارية.
متابعة معارض مثل Salone del Mobile ليست مجرد متابعة للموضة. في العمل المهني، هي طريقة لفهم اتجاه السوق قبل أن يتحول إلى طلب مباشر من العميل.
في La Vida Casa، نقرأ هذه التحولات من زاويتين: الأولى عالمية، لفهم أين تتجه صناعة التصميم. والثانية محلية، لفهم ما يناسب الرياض والسعودية من حيث الذوق، الاستخدام، التنفيذ، الخامات، والميزانية.
ليس الهدف أن ننقل ميلانو كما هي إلى الرياض. الهدف أن نأخذ أفضل ما وصل إليه مؤسسو الموضة في التصميم، ثم نعيد صياغته بما يناسب العميل المحلي. اللون قد يصبح أكثر هدوءًا. الخامة قد تتغير لتناسب التنفيذ. فكرة Maximalism قد تتحول إلى جدار واحد قوي بدل فراغ مزدحم. هكذا يصبح الترند أداة تصميم، لا نسخة مكررة.
Salone del Mobile 2026 أعطى إشارة واضحة: التصميم الداخلي خرج من مرحلة الحذر الكامل. الألوان عادت. الخامات أصبحت أقوى. الجدران والطاولات والقطع الرئيسية صارت تحمل شخصية أوضح. وMaximalism عاد، لكن بلغة أكثر رقيًا وانضباطًا.
بالنسبة للسوق السعودي، هذه ليست مجرد أخبار من معرض عالمي. هي فرصة لإعادة التفكير في تصميم الفلل، المكاتب، المطاعم، الكافيهات، والفراغات التجارية بطريقة أكثر جرأة ووعيًا. التصميم الناجح اليوم لا يكتفي بأن يكون جميلًا في الصورة؛ يجب أن يكون مناسبًا للمكان، قابلًا للتنفيذ، ومعبّرًا عن هوية صاحبه.
وهذا هو الفارق الحقيقي: أن نتابع العالم، لكن نصمم للسوق الذي نعرفه.